السيد محمد تقي المدرسي
329
من هدى القرآن
إن الأنبياء معصومون ، ولكنهم يشعرون أمام الله سبحانه بالذنب والتقصير ، وحتى عبادتهم لا يعتبرونها عبادة لفرط إيمانهم بالله ، وتجلي نور الله في أفئدتهم ، ويعتبرون عبادتهم نوعاً من التقصير بحق الله ، لأنها بالتالي عبادات بشر ضعفاء عاجزين ، لذلك يقول : سُبْحَانَكَ أنت النزيه المقدس ، أما نحن فبشر نتصف بالنقص والجهل والعجز . إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ لأنني من البشر ، وأنا شخصياً أتحمل مسؤولية خطئي ولا أحمله ربي أو الأقدار . [ 88 ] فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ إن كلمة نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ تعطينا الأمل بأننا مهما فرطنا في جنب الله فإنَّ باب الاستغفار مفتوح أمامنا ، ورحمة الله قابلة لأن تسعنا فلا داعي لليأس والقنوط . دعاء زكريا عليه السلام [ 89 ] وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ يقول : يا رب أنت الإله ، وأنت الوارث ، ولكني أحتاج إلى من يرثني ، وزكريا عليه السلام لم يكن طلبه من الله غايته وراثة أموره المادية فحسب ، إنما كان يطلب وارثاً يرث رسالته ، حسبما يبدو لي ، فالوارث لمكانة زكريا وأمواله ينبغي أن يكون متحملًا للرسالة ومستخدماً لإرث زكريا من أجلها . [ 90 ] فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ أي جعلنا له أسرة مثالية . فيحيى كان نبياً منذ الطفولة ، وزكريا الذي قضى عمراً في تبليغ الرسالة والدعوة إليها ، وكان شيخ المرسلين وكانت زوجته صالحة ، فكونوا جميعاً تلك الأسرة المتكاملة . إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ هذه الأسرة قامت على أساس المسارعة في الخيرات ، وإن كل تجمع يدور حول محور معين ، وذلك المحور يعتبر روح التجمع ، والأسرة الفاضلة هي الأسرة التي تتجمع وتتعاون ويندفع أفرادها إلى أعمال الخير التي تعود عليهم وعلى مجتمعهم بالازدهار والتقدم . وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً والصفة الأخرى لهذه الأسرة هي المزيد من التوجه إلى الله سبحانه ، والعمل بمنهجه ، والتمسك بروح العبادة وجوهر العبادة ، ولب الإيمان وهو الدعاء ، لأنه حبل متصل بين المرء وربه . وإذا خافوا من شيء دعوا الله ، وإذا أرادوا شيئاً دعوا الله ، ولذلك جاء في الحديث